أرت نوفو (الكلمة الفرنسية ل' الفَنّ الجديد ',Art Nouveau) أسلوبُ دوليُ مِنْ الفَنِّ والهندسة المعماريةِ والتصميمِ الذي بَلغ الذروة في الشعبيةِ في بِداية القرنِ العشرونِ (1880-1914) ويتمَيَّزُ بتصميماته المتُجَدَّدِة جداً، المتَدَفُّقة، وتصميمات ذات خطوط منحنية وأشكال الأزهار والأشكال المستوحاة من النباتات.

و اسم الأرت نوفو إشتقَّ مِنْ اسمِ محل في باريس، بيت الفن الحديث، في ذلك الوقت والذي كان يديره سيغفريد بنج، والذي قام بعرض أعمالَ إستلهمتْ من هذه المعالجةِ في التَصميم. الأرت نوفو حركة أثرت بشدّة على الفنانين والمعماريين والتي تتطورت لاحقاً في حركةِ ال(دي ستيل) (مِنْ 1880-1905) ومدرسة الباوهاوس الألمانية (أوائِل ثلاثيناتِ العشريناتِ).على خلاف الطرز الأخرى مِنْ التصميمِ، فأن الأرت نوفو كَانَ مُستَنَدَ واسعَ بما فيه الكفاية للإحاطة بكُلّ مناحى الحياة: فكان من الممكن العَيْش في بيتِ أرت نوفو بأثاثِ أرت نوفو، من فضيّات، وآنية فخارية، الخ.

الطراز الذي قدّمَه بنج لم يلاقى نجاحاً فورياً في باريس لكن بسرعة انتشارَ إلى نانسي وإلى بلجيكا (خصوصاً بروكسل) حيث فيكتور هورتا وهنري فان دي فيلد قدّما مساهماتَ رئيسيةَ في مجال الهندسة المعماريةِ والتصميمِ. وفي الأرت نوفو البريطانيِ شهد تطوّرَ أكثر للحركةِ في مجالات الحِرَفَ والفنونَ. وكان المركز الأكثر أهميةً في بريطانيا غلاسكو بما أبدعه تشارلز رينيه ماكينتوش.

و مع المحددات المحليةً بالنسبة لتلك الظاهرةِ وبالوعي الذاتي الراديكالي، ومحاولة جعل القوالب أكثر أناقة تشكّلتْ بدايات الطرز المعاصرة (مودرنيزم) في القرن العشرون تَتضمّنُ (جوكنت ستيل) في ألمانيا، النمسا والعديد مِنْ البلدانِ الأخرى، أودا بولسكا (' بولندا الصغيرة ') طراز في بولندا، أَو السكونفيرك في الدنمارك، والانفصالية في فينا، حيث الفنانون والمصممون الباحثون عن التقدم أرادوا انفصالا مِنْ معارضِ الصالونِ السائدةِ لعَرْض أعمالِهم الخاصِة بطريقة أكثرِ نسابة مع البيئة المحيطةِ ً.

في إسبانيا، الحركة تمُركزتْ في برشلونة وكَانتْ معروفة بالموديرنيزم، مَع المُصمّمِ أنتوني جاودى كالممارس الأكثر بروزاً. الأرت نوفو أيضاً ظهرت بقوة في أوروبا الوسطى وأوربا الشرقية، بتأثيرِ ألفونس موتشا في براغ ومورافيا (جزء من جمهورية التّشيك الحديثة) ولاتفية (ريغا، عاصمة لاتفيا، التي تستضيف أكثر من 800 مبنى للأرت نوفو).

المداخل إلى قطار الأنفاق في باريسِ التي صممها هيكتور جويمارت في 1899 1900 أمثلةَ مشهورةَ مِنْ الأرت نوفوِ في باريس.



تاريخ الأرت نوفو

بَلغَ الأرت نوفو الذروة في السَنَواتِ 1892 إلى 1902. فواحدة من أوّل صورِ الأرت نوفو يُمْكِنُ أَنْ تُوْجَدَ في قلعةِ روقيتيلات (فرنسا). أعادَ (فيوليت لو دك) القلعة في 1850، بالرغم من أنَّه كَانَ أكثر أعجاباً بأَنْ يصمم على طراز الإحياء القوطي.

التحركات الأولى ل"حركةِ" الأرت نوفو يُمْكِنُ أَنْ تميزها في فترة 1880، في حفنة من التصاميمِ التقدمّيةِ مثل المصممِ المعمارى آرثر ماكموردو عند تصميمه غطاءِ كتابِ لمقالتِه على كنائسِ مدينةَ السّيرِ كرستوفر ورين، نَشرَ في 1883. بَعْض أشغال الحديد المطاوعِ الأنسيابية مِنْ 1880 s يُمْكِنُ أَنْ تكُونَ مُقَدَّمة أيضاً، أَو بَعْض المنسوجِات ذات التصميمات (المشجّرة)، والتي كانت ذات تأثير تحفيزى في أنماطِ التصميمِ الفيكتوريِ العاليِ.

أعلى المراحل في تطورِ الأرت نوفو كَانتْ في المعرض العالمى في 1900 في باريس، التي فيها إنتصرَ ' الطراز المعاصر ' في كُلّ الأوساط.و من المحتمل أن يكون وَصلَ لأوجَه، على أية حال، كان هناك أيضاً المعرض الدولي لفن الزخرفة الحديثة في 1902 في تورين، إيطاليا، حيث قام بالعرض فيه مصممون مِنْ تقريباً كُلّ البلاد الأوروبية والتي أزدهر بها الأرت نوفو.

الأرت نوفو استعملَ العديد مِنْ الاختراعات التقنيةِ أواخر القرن التاسع عشرِ، خصوصاً الاستعمال الواسع للحديدِ المكشوفِ والكبيرِ، وقِطَعَ الزجاج المشكّلة بدون انتظام في المعمار. وذلك مع بدايةِ الحرب العالمية الأولى، على أية حال، طبيعة الطرز الغنية في تصميمِات الأرت نوفو —و التي كانت مكلفة جداً في أنتاجها —بَدأَ يصب في مصلحة العصرانيةِ المستقيمةِ الأكثرِ كفاءةً والتي كَانتْ أرخصَ في التكلفة وجعل الأفكار تَكُونُ أكثر إخلاصاً للجمال الصناعيِ البسيطِ الذي أصبحَ نواة فيما بعد لطراز الآرت ديكو.




الملامح الشخصية لطراز الأرت نوفو

الديناميكيا، والأشكال المتَمَوُّجة، والخطوط المتَدَفُّقة، وبالأقواس المختلفة ،و الخطوط ذات الإيقاعاتِ المتغيرةِ، كونتَ مُعظم شخصية الأرت نوفوِ. الميزّة الأخرى استعمالُ القطوع الزائدةِ والقطوع المكافئةِ. لتبدو القوالب التقليدية كأنما دبت فيها الحياة ونمت من أشكال النباتات.

ولأنها كانت حركة فَنِّية لَها صلاتُ مَع ما قَبْلَ الريفالتيس والحركة الرمزيّة، وفنانون مثل أوبري بيرتسلى، ألفونس موتشا، إدوارد برن جونز، غوستاف كليمت، وجان توورب والذي يُمكنُ أَنْ يصنّفَ في أكثر مِنْ واحدة من هذه الطرز. على خلاف اللوح الرمزية، على أية حال، فالأرت نوفو لَهُ نظرة بصرية مُتميّزة؛ وعلى خلاف حركةِ الفنونِ والحِرَفِ خلفيةِ المظهرِ (بالرغم من أنّهم ما كَانوا خلفيَين على الإطلاق)، استعملَ فناني الأرت نوفو وبسرعة موادَ جديدةَ، سطوح مميكنة، والتجريدية ووظًّفوها في خدمةِ التصميمِ.

زهرية مِن قِبل داوم (c. 1900)



الكرسي صمّمَ مِن قِبل هنري فان دي فيلد لبيتِه "بلومنويرف" ببروكسل.



"ماجوليكاهاوس" مِن قِبل أوتو واجنر





المجال الجغرافي للأرت نوفو
أمستردام - برشلونة - بلغراد - برلين - براتسلافا - بروكسل - بودابست - بوينس آيرس - شيكاغو - غلاسكو - هاجن - حربين - لاهاي - هافانا - هِلسنكي - كييف - لوبيانا - لندن - ميلان - موسكو - ميونخ - نانسي - مدينة نيويورك - باريس - براغ - ريجا - روما - سان بطرسبرغ - تبليسي - فينا - زغرب



أبرز ممارسى الأرت نوفو

في العمارة


إيميليه أندريه (1871-1933)
جافريل بارانوفسكى (1860-1920)
بيتر بيهرينس (1868-1940)
جورجيس بيت (1868-1955)
بول تشاربونيير (1865-1953)
أنتوني جاودى (1852-1926)
هيكتر جيومارد (1867-1942)
بول هانكر (1859-1901)
جوزيف هوفمان (1870-1956)
فيكتور هورتا (1861-1947)
تشارلز رينيه ماكينتوش (1868-
لويس سوليفان (1856-1924)
يوجين فالين (1856-1922)
هنري فان دي فيلد (1863-1957)
أوتو واجنر (1841-1918)
وليام وولكوت (1874-1943)

الجداريات والفسيفساء

أنتوني جاودى (1852-1926)
غوستاف كليمت (1862-1918)
ألفونس موتشا (1860-1939)
ميخائيل فروبل (1856-1910)



بناية في ريغا مِن قِبل ميخائيل أيستشتاين



محطة سكّةِ فيتبسكاى في سان بطرسبرغ




منزل باتللو في برشلونة




فندق سيمبرلانى في بروكسل مِن قِبل بول هانكر




بيت المُصمّمِ بيتر بيهرنس





بناية مِن قِبل جوستاو لانداو جوديندغير




منزل في كييف مِن قِبل فلاديسلاف غوروديتسكى.




مبنى الانشقاق فينا





أرت نوفو في أوكرانيا




يعني فن النوفو بالفرنسية "الفن الحديث" أو "الفن المعاصر". وقد ظهر هذا الأسلوب الفني خلال القرنين 19-20 في الفن الأوروبي والفن الأمريكي. والفكرة الأساسية في أسلوب هذا الفن هو الزخرفة، والباعث الإبداعي.


لقد بزغ أسلوب الفن المعاصر (أرت نوفو) في أوكرانيا في بداية القرن 20، فقد ابتدأ المعماريون الأوكرانيون باستخدامه في مواد البناء الحديثة- الإسمنت والزجاج والحديد والخزف. وإن مزيج واجهات الأبنية يؤكد اللاتناسق. وقد استخدموا في زينتهم أقنعةً على هيئة رؤوسٍ للذكور والإناث، مع العديد من العناصر النباتية. فخطوط الطُنُف وسياج الأدراج والشرف متميزةٌ باللوالب الغريبة الشكل وخطوط الكفاف.

يمكنك تتبع أثر الفن المعاصر (أرت نوفو) في العمارة الأوكرانية من خلال تجوالك في الشوارع الرئيسية في العاصمة. ويبتدئ الفن المعاصر (فن النوفو) في كييفعند محطة السكة الحديدية حيث المدخل المركزي للبناء ذو السقف غير المألوف، المحيط بنافذةٍ كبيرةٍ على شكل قطعٍ مكافئٍ، والتي ستلفت انتباهك عند الدخول. كما ترقد ألواحٌ عن نصبٍ تاريخيةٍ أسفل القناطر. ويعتبر الجاذب



الرئيسي في العاصمة الأوكرانية هو البناء الذي شيده المعماري فلاديمير
غوروديتسكي في شارع بانكوفا, 10- وهو معروفٌ في العالم باسم منزل الكمِّير. فقد زين المعماري المشهور واجهة المنزل بالحوريات والفيلة والضفادع والأصلات ونحوت الأسماك والنباتات، وهي مصنوعةٌ من الإسمنت الصلب. ذلك كان أشهر بناءٍ في كييف من أسلوب الفن المعاصر (فن النوفو). ويعتبر البناء فريدٌ من نوعه ويشتمل على تقنيات الفن المعاصر (فن النوفو) الأوكرانية تحت الاسم: اللاتناسقية والزخرفة والتزيين.

إن واجهة المنزل 15 في شارع غوروديتسكي "مكسوةٌُ" برداء الفن المعاصر (أرت نوفو) الأوكراني، كذلك منزل الاقتصاد رقم 6 في شارع بانكوفا يملك سمةً فنيةً معاصرةً. "قصر النافذة الباكية" في شارع لوثران مدهشٌ بأشكاله اللامتناسقة ورسوم سياجه الظليلة الأصيلة. وفي شارع يازوسلافيف فال قبالة "المنزل-القلعة" للبارون شتينغل يتواجد مثالان عن الفن المعاصر (أرت نوفو) الأوكراني. نموذجان مزخرفان زخرفةً تشجيريةً ثخينةً من وصلات عناصر نباتيةٍ إضافة إلى وجوهٍ مبتسمةٍ لآلهات وحوريات. وسيرى المسافر حلال تجواله في شارع فلاديمير سكايا إلى شارع كريش تشاتيك بكلٍ تأكيدٍ "قصر رئاسة الوزراء"- الممثل الجديد نسبياً حسب الفن المعاصر (أرت نوفو) في أوكرانيا، مع واجهته اللافتة للانتباه التي تحوي تشاكيل نحتية أصيلة.

لكن المظاهر الأصيلة للفن المعاصر (أرت نوفو) في العمارة الأوكرانية تشاهد في عمارة المدن الأخرى:ففي لفيف - بناء المنزل الوطني، وجمعية تأمين المنازل "دنيتسر" ومنزل الملاذ للصليب الأحمر- كلها أمثلةٌ رائعةٌ عن الفن المعاصر (أرت نوفو) الأوكراني الوطني خلال أوائل القرن العشرين.

إن أثر الفن المعاصر (أرت نوفو) في العمارة الأوكرانية عظيمٌ إلى درجة أن معالم الأبنية الكنيسية قد تغيرت، وهذا مثالٌ عن ذلك "كنيسة تمجيد الصليب المقدس الكاثوليكية الرومانية" في مدينة فاستيف، والتي مزجت التزيين التقليدي والتشكيل المعماري الأوكراني مع مبادئ الفن المعاصر (أرت نوفو














بزوغ الأرت نوفو.. واختفاؤه...! لخالد السلطاني

  • لئن اهمل التعاطي مع طروحات "مدرسة شيكاغو" في الممارسة التصميمية التى تلت معرض كولومبيا (1893) في شيكاغو بالولايات المتحدة الامريكية، فان مبادئ وقيم تلك المدرسة لم تكن في اي حال من الاحوال، امراً عابراً في الذاكرة المعمارية العالمية، نظرا لما انطوت عليه تلك المدرسة من افكار معمارية جديدة وطازجة، استجابت بشكل مثير مع متطلبات الحياة العصرية وقتذاك، وتلاءمت على نحو واسع مع النجاحات التقنية التى شهدها الانشاء ومواده؛ الامر الذي عجل ّ سريعاً ظهور اتجاه تصميمي جديد وتبنيه في المشهد المعماري العالمي – ذلك هو تيار "الار نوفـو Art Nouvaeu" – التيار المفعم بالروح العصرية والتائق نحو تكريس الجديد (والمثير ايضاً) في الممارسة التصميمية. وساهمت كتابات المعمار الفرنسي " فيوليه لو دوك Viollet Le- Duc " التى نشرها تحت عنوان " حوارات " في ستينات القرن التاسع عشر، ساهمت في خلق الاجواء المناسبة لتقبل تيارات معمارية جديدة، نظرا ً لما اتسمت به تلك الكتابات من مناشدة للمعماريين ليكونوا بنائين ماهرين.. ايضاً؛ والتخلي عن وهم الافراط الفني كخاصية لازمة ووحيدة للتكوين المعماري. دعى "فيوليه لو ديوك" الى تبني مسلك تصميمي عقلاني يعتمد على اتحاد الشكل بالمحتوى، مع الاخذ في نظر الاعتبار خصوصية ونوعية الاسلوب الانشائي، الذي ينبغي ان تظهر تأثيراته صريحة في المعالجات التصميمية ؛ اي ان يكون الحجر – حجرا، والحديد – حديدا ً، وان يكون الخشب – خشبا ً ؛ مقرا ً في هذه الحوارات بان "الاساليب الانشائية الحديدية ستفتح مجالات جديدة لتطور العمارة..".
في البدء، توخت ارهاصات التيار المعماري الجديد "الار نوفو" الى تقصي وارتياد اشكال جديدة خاصة بالفن التزييني، والعدول عن الاساليب التقليدية الرائجة في هذا الحقل الابداعي والتخلي عنها، ونرى صدى تلك التقصيات واضحة في تصاميم الاثاث واوراق الجدران، وتشكيل النوافذ وفي تصاميم الادوات المنزلية؛ ثم انسحب ذلك تدريجيا ً على العمارة، عندما نادى انصار "الارنوفو" الكف عن محاكاة الطرز المعمارية التاريخية وتقليدها، وسعوا الى منح المواد الانشائية الجديدة ولاسيما " الحديد والخرسانة المسلحة " دورا اكبر في العملية التصميمية، وعدم إ خفائهما تحت طبقة من الجص او الحجر الطبيعي، كما كان الامر سائدا في السابق.
ويعتقد ممثلو هذا التيار بان المعالجات المعمارية ينبغي ان تراعي مزايا هذه المواد، وتظهر خواصها، ولاسيما انسيابية الخرسانة المسلحة القادرة على التشكل في اي "فورم" مع التركيز على خاصية مطاوعة الحديد ولدانته. كما دعى انصار "الار نوفو" الى توظيف واسع للفنون التشكيلية في العملية التصميمية، واعتبار مهمة استخدامها كمفردة ملازمة في التكوين "الار نوفووي"، كما طالبوا ايضا ً ان يكون ذلك الاستخدام حاضرا ً وبكثافة في معالجات الهيئة الخارجية للمبنى Exterior، او في التصاميم الداخلية له Interior.
ويتوق مشايعو "الار نوفو" الى جعل ظاهرة المناسيب متباينة الارتفاع، حالة محببة، واحيانا ً وجوبية في الحل الفضائي – الفني للمباني التى يصمموها ؛ من هنا اضحى عنصر"السلم" بمناسيبه المختلفة، مدار اهتمام وولع انصار "الار نوفو"، جاعلين من هذه المفردة المعمارية منطلق العملية التصميمية، وفي كثير من الاحيان غايتها !.
اظهر اتجاه "الارنوفو" إمكانيات الصيغ المعمارية – التكوينية الجديدة، لتنظيم الفضاء الداخلي للمباني المصممة، وفق مرجعية هذا الاتجاه ؛ والتى اتسمت بنزعة وظائفية واضحة. اذ امست متطلبات الرفاهية وأسباب الراحة، تبدوان وكأنهما تحتلان هاجسا ً حقيقيا ً ومهما ً لدى معماري " الارنوفو " في تعاطيهم مع اشكالية تصميم الفضاءات الداخلية " الانترير " ؛ من هنا يمكن تحسس تناسبية عناصر الفضاء الداخلي " الارنوفوي " المثالية مع شاغليه بالضد مثلا، في كبر المقياس المتبع وضخامته في فضاء الانترير الكلاسيكي.
عمل معماريون عديديون ضمن توجهات هذا المقترب الابداعي، وكان تواجدهم حاضراً في بلدان عديدة ذات ثقافات مختلفة، ومن اشهر ممثلي هذا الاتجاه في فرنسا كان فرنسيس جوردان ( 1847-1935 )، واوغست بيريه ( 1879-1959 ) ؛ وفي انجلترة جارلس ماكينتوش ( 1868- 1928 ) ؛ وفي بيجيكا فيكتور اورتا ( 1861-1947 ) ؛ وفي روسيا فيدور شيختيل ( 1859-1926 ) ؛ اما في النمسا فكان ابرز ممثلي هذا التيار هما جوزيف هوفمان ( 1870-1956 ) واوتو فاغنر ( 1868- 1941 ) ؛ وفي المانيا انري فان دي فيلدا ( 1863-1957 )، وفي اسبانيا انطونيو غاودي ( 1852-1926 ) ؛ وغيرهم.

اعتبرت " دارة تاسيل Tassel House " التى صممها < فيكتور اورتا > الى المهندس " تاسيل " عام 1893 في بروكسل، مزارا حقيقا ً لمعماريين كثيرين، ما انفكوا يتقاطرون على المدينة لرؤية تجسيدات " الار نوفو " الواقعية ؛ وبدا المبنى وكأنه يدهش زواره لعدم انتظامية الواجهة ووسع النوافذ الزجاجية فيها. لكن الامر المثير في عمارة المبنى، كان في الحقيقة هو اسلوب توقيع مخطط الدارة، وتوزيع عناصر التصميم الداخلي لها ؛ اذ ترك " اورتا " نصف مساحة الارض خالية من الخلف كي يمكن له ان " يغمر " غرف الدار بنور الشمس النهاري الدائم، ونظم توزيع هذه الغرف حول هول مركزي بالقرب من السلم الداخلي، الذي جعل هيكله الحديدي مكشوفا ً ؛ بيد انه عالج سطوح عناصره التركيبية وما بينهما بزخارف مشغولة بالحديد المطروق، اتسمت تشكيلاتها الفنية على مغالاة في التزويق والرسوم المركبة.
يحرص " اورتا " في دار " تاسيل " الى خلق اشكال تزينية جديدة انطلاقا ً من خاصية المعدن المستخدم – الحديد، ولاسيما التأكيد على مرونته، كما سعى لان تكون فضاءات الغرف الاساسية للدار مقسمة بمناسيب متباينة وبقواطع لا تصل بارتفاعها الى السقف، مما منح فضاء الدار خاصية الانسياب والتمازج ؛ تلك الخاصية التى عدّ حضورها في التكوين " الار نوفووي " لازمة ضرورية، طمح ممثلو هذا الاتجاه لاحقا ً الى تكريسها " وغرسها " في مجمل التكوينات الفنية المعمارية لمبانيهم.
وثمة تنوع خاص تتسم به عمارة " جارلس ريني ماكنتوش " Charles R. Mackintosh، المعمار البريطاني السائر على النهج الجديد. في البدء عمل " ماكنتوش " اولا ً فنانا ً مصمما ً للفضاءات الداخلية " الانترير " ؛ وحظيت اعماله وتصاميمه الداخلية لمقهى كرانستون، الذي اتمه عام 1897 في غلاسكو باسكتلدة، على اهتمام كبير من قبل الاوساط المعمارية المحلية والاقليمية، نظرا ً للرؤى الجديدة لمفهوم الفضاء الداخلي ذي المناسيب المختلفة، وتوظيفه مختلف الاساليب الفنية والطليعية في تصاميم الاثاث وورق الجدران والانارة التى جاءت معالجاتها الفنية وفقا ً للنزعات الجديدة التى سعى اليها " الارنوفو ".
لكن العمل المهم في الانتاج الابداعي لـ " ماكنتوش "، كان تصميم وتنفيذ " مدرسة الفنون " في غلاسكو ( 1899-1909 ). ففي هذا المبنى ينأى " ماكنتوش " بفسه بعيدا ً عن تقليدية استخدام الاساليب المعمارية التاريخية / ويستند في خلق التكوين التصميمي للمبنى انطلاقا ً من وظائفيته ؛ اذ يجعل نوافذ الطابق الاول بمثابة فتحات زجاجية واسعة، تدلل بوضوح عن غايتها المضمونية، كونها فضاءات للمشاغل الفنية. واستثمر " ماكنتوش " بنجاح التضاد الذي خلقه بين الطبقات الرأسية لواجهة المدرسة، وأفقية السياج الخارجي لها، ليزيد من ثراء التكوين المبتدع وغناءه. وعلى ذكر هذا السياج الخرساني فقد عبرت هيئته العامة غير المألوفة باكتنازها على خطوط حرة متموجة وانسيابية عن مدى الامكانيات الكامنة في المادة الانشاءية الجديدة.

وتشغل الاعمال التى نفذها مكتب " الاخوة بيريه " الفرنسيين، باشراف أوغست بيريه حيزا ً مهما ً في " بوناراما " عمارة " الار نوفو " ؛ ولاسيما تعاملهم وتوظيفاتهم الواسعة لمادة الخرسانة المسلحة في التصاميم الكثيرة والمهمة التى عملوا على تنفيذها واخراجها.كما عمل " أوغست بيريه " على ايجاد حل لمعضلة معمارية كبرى، وهي ترابط التركيب الانشائي مع " الفورم " المعماري ؛ تلك المعضلة التى تصّدت لها المدرسة المعمارية الفرنسية بنجاح، وجعلت من تقصياتها المتنوعة مساراً مؤثرا ً في طروحاتها التصميمية. ولهذا فان نشاط " أوغست بيريه "، يمكن اعتباره جزءا ً من فعالية تصميمية كانت قد افصحت عنها بجلاء كتابات " فيوليه لو ديوك "، من ".. ان التقنية الانشائية المتجلية شاعريا ً يمكن ان تتحول بسهولة الى... عمارة ". ويعد مفهوم هذا التعبير العميق والمختزل في آن، مفتاحا ً لادراك عمارة بيريه وتحديد تقصياته المهنية.
في عام 1903، شيد " بيريه " مبنى سكنيا ً عند " شارع فرانكلين " بباريس. وعّد هذا المبنى أول منشأ سكني متعدد الطوابق، ينفذ بالخرسانة المسلحة بالكامل. ولئن كان المعماريون في السابق يستخدمون الخرسانة في عناصر إنشائية محددة ومقننة، فان بيريه، في هذا المبنى يجعل جميع عناصره التركيبة كالجدران والقواطع والسقوف معمولة كليا ً من الخرسانة.
ينطوي مبنى " شارع فرنكلين "، على خاصية المنظومة الفضائية الموحدة، من حيث ان فضاءات المنشأ الداخلية تمتزج الواحدة بالاخرى. وبفضل الهيكل الانشائي الخرساني فقد منحت جميع غرف المبنى أمكانية الاطلال على المنظر الداخلي بصورة مباشرة، ومن دون عوائق ؛ كما وظف المعمار الشرفات الخرسانية في الواجهة الامامية لزيادة مساحات الفضاءات الداخلية وإثراء المعالجلت التصميمية لتلك الواجهة. ونفذ مكتب " بيريه " عام 1906 " مرآب للسيارات " في وسط مدينة باريس، وقد استخدم المعمار فيه المادة الانشائية الجديدة، ليس فقط لتسهيل مهمة إ يجاد حلول كفوءة للمعضلة الانشائية، وانما ساعدت الخرسانة المسلحة " بيريه " في تقصياته عن شكل معماري جديد وصريح لمبنى صناعي. ظل " بيريه " امينا ً ودؤوبا ً في تعاطيه مع استخدامات الخرسانة المسلحة في اكثر المباني التى صممها، ويمثل مبنى " مسرح الشانزليه "، المصمم عام 1914، والمنفذ بالخرسانة المسلحة، المادة الانشاءية الجديدة في عمارة مبنى عام يتسم بالضخامة وينطوي على قدر كبير من الرسمانية.
لقد ابدى معماريو " الارنوفو " اهتماما خاصا ً لاستخدامات الحديد والخرسانة المسلحة، كمواد انشائية جديدة، واجدين فيها إمكانات هائلة في اعطاء هيئات المباني المصممة صفات تشكيلية ومرونة عاليتين. ولعب إنتاج المعماري الاسباني " انطوني غاودي Antoni Gaudi دورا ً مؤثرا ً وفعالا ً في هذا الاتجاه، عندما شيد مجموعة من المباني السكنية، والتى شدد فيها على تعبيرية المبنى ونحتيته، مثل مبنى باتلو Batllo ( 1905- 07 )، ومبنى قصر ميلا < كازا ميلا > Casa Mila ( 1906-1910 ) ؛ وكلاهما في برشلونة.
استخدم " غاودي " الخرسانة في المقام الاول لخلق اشكال مرنة وغير تقليدية للمباني التى صممها، تنطوي على افراط تزييني واضح، محاكيا ً صور الطبيعة، ومقتديا ً بهيئات الصخور وقواقع البحر، واشكال الاشجار. ويذ ّكر مبناه " كازا ميلا " – ذو الستة طوابق، شكل صخرة جبلية ضخمة، في حين جاءت فتحات الشبابيك في ذلك المبنى قريبة الشبه بفتحات مغارات الجبال العميقة، واتسمت سطوح جدرانه الخارجية على حضور مكثف من المنحنيات ذات الاشكال المتموجة الناتئة، والتى تعزز ّ الانطباع العام باننا امام قطعة من الطبيعة الحيّة، وليس منشأ ينهض وفق قوانين الانشاء !. وسحب " غاودي " سمة الخطوط المتموجة التى تمثل اساس " موتيف " الواجهة، سحبه على نظام تراتبية مخططات شقق مبناه. التى جاءت اشكالها غنية بالخطوط المنحية والفضاءات غير المنتظمة، جامعا ً هذه الشقق حول فناءين وسطيين مكشوفين وكبيرين.
استخدم " غاودي " في مبنى " كازا ميلا " حلولاً انشائية جديدة اتسمت يالجرأة والاقدام ؛ اذ نلاحظ غياب تام للجدران الحاملة الداخلية، مستعيضا ً عنها باعمدة خرسانية تسند سقوف المبنى ؛ كما استطاع ان يوظف الشرفات الخارجية ذات الاشكال المنحية والمتموجة لزيادة متانة المبنى وصلادته. ويعد " غاودي " من المعماريين الاوائل الذين استخدموا في اعمالهم العقود الخرسانية ذات اشكال القطع المكافئ Parabola ؛ بيد ان هيئات تلك العقود المستخدمة جاءت مفعمة ومحددة بالحس السليقي للمعمار وحدسه ؛ وليس جراء حسابات دقيقة ومنطقية، كما جرى لاحقا ً، عندما باتت مزايا هذا النوع من الانشاء ظاهرة للعيان، بالفترة الاخيرة.
في " كازا ميلا "، كما في بعض مبانيه الاخرى، يتوق " غاودي " الى تأكيد المسلك النحتي في التعاطي مع الصياغة الكتلوية لمبانيه ؛ فبالاضافة على الحرص في حضور الاحساس بان الهيئة العامة لـ " كازا ميلا " وكأنها معمولة من كتلة لزجة ومطلية، فقد صمم " غاودي " شرفة في امتداد اعلى المبنى ظل منسوبها يتغير بتغير اطوال العقود التى ترفعها، الامر الذي عزز الاحساس بتفرد الكتلة المصممة وعدم مألوفيتها. واذا اضفنا اشكال مجارير التهوية ومواسير المداخن في اعلاها، فضلا على تلوين بعض القطع التركيبية يتبين لنا مستوى غرائبية هيئة المبنى المبتدعة وتفردها !.
في عام 1887 م بدأ " غاودي " بتصميم، وبعد ذلك الاشراف على تنفيذ، كاثدرائية " سغرادا فميليا Sagrada Familia < العائلة المقدسة > في مدينة برشلونة، ذلك المبنى الفريد في تاريخ العمارة، والذي لم يكتمل بناءه، رغم ان المعمار منحه سنين طويلة من حياته المهنية وظل متابعا لاعمال التشييد حتى وفاته سنة 1926. في هذا العمل الضخم نشعر بنزوع المصمم للتحرر من تكبيلات " الثبوتية " و " الاستقرارية " اللتان يحس بهما المرء، عندما يرى منشأ مبني من مواد انشائية مألوفة.
يحيلنا " غاودي " في عمارة " سغرادا فيميليا " الى عصر آخر، غير عصرنا – ربما الى عصر" الكوثـك " ؛ فالرقة المتسمة بها العناصر التركيبية الاساسية للمبنى والمتولدة جراء غزارة التعاقب بين المادة والفراغ ؛ وكذلك اشكال الابراج العالية المستدقة والمتخمة تشكيلاتها بفيض من التزيينات الزخرفية كفيلة بان تغمرنا باحساس عال من الخفة والرشاقة ؛ ذلك الاحساس الذي طالما تاق اليه مصممو عصر " الكوثـك "!.
حرص المعمار على تزينات واجهات مبناه " بموتيفات " زخرفية متنوعة الاشكال والمضامين والرموز ؛ فالى جانب المقرنصات المتدلية في ابواب الكثدرائية، نتلمس سعي "غاودي" لاكساب سطوح واجهاته ملمسا ً خشنا ً يذكرنا بتوءات الصخور الجبلية، او سيقان الاشجار المعمرة ؛ هذا فضلا ً عن وجود مجموعة من المنحوتات المعدنية المعلقة في فجوات مداخل البوابات، الامر الذي يكرّس الاحساس بغرائبية المشهد المعماري المرئي !. وايا ً كان الامر، فان اعمال " غاودي " المعمارية ذات النكهة التعبيرية والمتفرّدة، كانت دائما ً مشوبة بالتناقضات واللاعقلانية والمهوسة بالذاتية العالية ؛ ومن خلال سلوكه المهني، وعبر اعماله تجّلت مبادئ " الارنوفو " وقيمه باقصى تعبير لها. ولئن قيُـمّ " الارنوفو " واتجاهاته الفنية في اكثرية ادبيات النقد المعماري، تقييما سلبيا ً، كونه لم يستطع ان يقدم افكارا ً تنظيرية واضحة وثابتة، جراء انغماس ممثلي هذا الاتجاه وولعهم بفنطازيا الابداع الذاتي، والتغاضي عن مبادئ " التكتونية "، والهرولة وراء التأثيرات الزخرفية واشكالها الجديدة، فاننا نعتقد ان مثل هذا التقييم مافتأ ينطوي على مفهوم احادي الجانب. اذ يتعين علينا، ان لا ننسى جهد معماري هذا الاتجاه وعملهم الدؤوب في تكريس القطيعة بين منحى ممارسة تغليف المواد الانشائية الجديدة باساليب فنية تقليدية، وعملية كشفها وابرازها، ومن ثم توظيفها لجهة خلق معالجات تكوينية مشوبة بالحس الحداثوي والابداعي ؛ بمعنى آخر، ان اتجاه "الار نوفو" انهى بصورة قاطعة مرحلة التوفيقية والاكاديمية التى سادت قبله، وفتح المجال واسعا ً امام مرحلة جديدة من النشاط المعماري، مرحلة ليست تنطوي على تقصسات اسلوبية على كل حال. اي ان " الار نوفو " ادى دورا ً ايجابيا ً ومهما ً في عملية " تنظيف " مسار العمارة، ويسر انتقالها بسهولة الى مراحل جديدية، مراحل افرزت فيما بعد تيارات معمارية عديدة، قدّر لها ان تنتشر في بلدان مختلفة وان تستمر لفترة زمنية تجاوزت نيف ونصف قرن من الزمان !